بقلم دكتور جوليان صفير
في الشرق الأوسط، لا تُقاس القرارات الكبرى بعدد التواقيع التي تُوضع على الورق، بل بحجم التحولات التي تُحدثها في الوعي والهوية والتوازنات. ومن بين أكثر الأسئلة حساسية وتعقيدًا في التاريخ اللبناني الحديث، يبرز سؤال يكاد يُقال همسًا: ماذا لو وقع لبنان السلام مع إسرائيل؟ وهل يكون ذلك بداية استقرار طويل، أم بداية مرحلة أكثر اضطرابًا وإعادة تشكيل عميقة للمنطقة؟
قد يبدو السلام، في ظاهره، خيارًا منطقيًا لدولة أنهكتها الحروب والانهيارات الاقتصادية والهجرة الجماعية. فلبنان، الذي عاش اجتياحات وصراعات حدودية وخوفًا دائمًا من الانفجار، قد يرى بعض أبنائه في أي تسوية فرصة للخروج من منطق الجبهات المفتوحة، والانتقال إلى منطق الدولة والاستقرار والتنمية. وربما، لأول مرة منذ عقود، يصبح الجنوب اللبناني مساحة حياة طبيعية، لا ساحة انتظار دائم للحرب.
لكن لبنان ليس دولة عادية.
إنه بلد يعيش على توازنات شديدة الهشاشة، وعلى ذاكرات لم تُطفأ بعد. ولهذا، فإن أي اتفاق سلام لن يكون مجرد خطوة دبلوماسية، بل لحظة تعيد طرح السؤال القديم: أي لبنان نريد؟
هناك من سيرى في السلام فرصة لإنقاذ الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد، وإبعاد شبح الحرب. وهناك من سيراه تنازلًا تاريخيًا يمسّ هوية لبنان السياسية وعلاقته بالقضية الفلسطينية، بل وربما سقوطًا لفكرة “المقاومة” التي تحولت مع الزمن إلى جزء من البنية السياسية والنفسية لفئات واسعة داخل لبنان وخارجه.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية.
فالصراع مع إسرائيل لم يكن بالنسبة إلى قسم كبير من العرب مجرد نزاع حدودي، بل قضية مرتبطة بصورة المنطقة كلها، وبمعنى التضامن العربي، وبفكرة العدالة التاريخية للفلسطينيين. ولهذا، فإن أي سلام لبناني منفرد سيطرح تلقائيًا سؤالًا عربيًا حساسًا: هل للعرب مصلحة أصلًا في أن يوقّع لبنان اتفاق سلام؟
فبعض الدول العربية قد ترى في ذلك فرصة لتخفيف احتمالات الحرب الإقليمية، وإضعاف نفوذ القوى غير العربية داخل لبنان، وإعادة إدخاله في شبكة الاستقرار الاقتصادي والسياسي العربي، خصوصًا في ظل التحولات الإقليمية التي جعلت فكرة التسويات مع إسرائيل أقل صدمة مما كانت عليه في العقود الماضية.
لكن الصورة لا تكتمل من دون زاوية عربية أوسع، قد تبدو غير مريحة لكنها حاضرة في عمق الحسابات الإقليمية. فبعض الدول أو القوى العربية قد لا تنظر إلى أي مصافحة لبنانية–إسرائيلية بوصفها مجرد خطوة سيادية معزولة، بل كتغيّر في ميزان التوازنات التي بُنيت على عقود من الصراع المفتوح. فاستمرار حالة التوتر، في بعض المقاربات، لم يكن مجرد أزمة دائمة، بل جزءًا من معادلة توازنات تُستخدم فيها الملفات الإقليمية كأوراق ضغط وموقع تفاوض. ومن هنا، قد يُنظر إلى انتقال لبنان إلى سلام منفرد باعتباره عنصرًا يعيد توزيع هذه الأوراق بطريقة قد لا تخدم الجميع.
وقد يذهب هذا التصور أبعد من ذلك. إذ قد يُنظر إلى لبنان، في حال دخوله مرحلة استقرار وسلام، على أنه بلد قادر سريعًا على استعادة حيويته الاقتصادية والخدماتية، بحكم موقعه وطاقاته البشرية وارتباطه التاريخي بالأسواق العربية والدولية. وهنا قد يظهر هاجس غير معلن لدى بعض الأطراف العربية، من أن “لبنان المستقر” قد يستعيد شيئًا من دوره التاريخي كمركز جذب اقتصادي وسياحي ومالي، بما قد يُترجم شعورًا بأنه قد “يسرق الضوء” من محيط يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وتنافس حاد على المكانة والدور، ليس كصراع مباشر، بل كمنافسة على الصورة والرمزية والنفوذ.
وفي المقابل، هناك من يرى أن أي سلام لبناني مع إسرائيل قد يشكل ضربة رمزية لما تبقى من الموقف العربي الجماعي تجاه فلسطين، وقد يمنح إسرائيل اختراقًا سياسيًا ومعنويًا جديدًا في قلب المشرق العربي. وهناك أيضًا من يخشى أن يتحول لبنان، بعد أي اتفاق محتمل، إلى ساحة صراع داخلي أشد تعقيدًا من الصراع الخارجي نفسه.
لأن الحقيقة التي يخشاها اللبنانيون ليست فقط الحرب…
بل الانقسام حول السلام.
فإذا دخل لبنان فعلًا في مسار تسوية، فإن أول ما سيتغير لن يكون الحدود، بل الخطاب السياسي الذي حكم الحياة اللبنانية لعقود. ستُطرح أسئلة كانت حتى وقت قريب من المحرمات السياسية:
ما معنى السلاح إذا انتهت الحرب؟
ما شكل التحالفات الإقليمية الجديدة؟
وهل يستطيع لبنان أصلًا اتخاذ قرار بهذا الحجم بإجماع داخلي حقيقي؟
ثم يبرز سؤال أكثر عمقًا:
هل السلام دائمًا عدالة؟
فالتاريخ يُظهر أن الاتفاقات قد توقف الحروب، لكنها لا تمحو الجراح تلقائيًا. هناك شعوب وقّعت سلامًا، لكنها بقيت تعيش سلامًا باردًا، لأن الذاكرة الجماعية لم تتصالح بعد مع الماضي. وفي لبنان، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيدًا، لأن البلد قائم على تراكم ذاكرات متناقضة، حيث تحمل كل طائفة روايتها الخاصة للحرب، وكل منطقة جرحها المختلف، وكل جيل خوفه الموروث.
ولهذا، فإن أي سلام محتمل لن يكون مجرد اتفاق بين دولتين، بل اختبارًا عميقًا لفكرة الدولة اللبنانية نفسها:
هل لبنان بلد مواجهة؟
أم بلد حياد؟
أم بلد يبحث فقط عن فرصة أخيرة للبقاء؟
وربما لهذا السبب، يبقى النقاش حول السلام في لبنان مختلفًا عن أي مكان آخر في المنطقة. إنه ليس نقاشًا حول السياسة الخارجية فقط، بل حول هوية وطن كامل، وموقعه بين الشرق والغرب، وبين الحرب والتسوية، وبين الذاكرة والرغبة في النجاة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي:
هل يوقّع لبنان السلام مع إسرائيل؟
بل:
أي لبنان سيولد بعد ذلك التوقيع؟
لأن بعض الاتفاقات تغيّر الحكومات، أما بعضها الآخر، يغيّر الوطن نفسه وربما يغيّر التاريخ …
